شباب لا يقبل الشيخوخة

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

لماذا الشباب هم القائمون بالثورة؟ لأنهم هم الذين سيشاهدون القرن الحادي والعشرين.. ويريدون أن ينقلوا إليه مجتمعا نظيفا.. هذه هي القضية، لا يمكن… لهذا المجتمع الفاسد أن يتخطى أعتاب القرن الجديد.. سنفعل كل شيء كي نمهّد للقرن الجديد بأفكار جديدة، كما مهّدت الثورة الفرنسية للقرن التاسع عشر بالأفكار الجديدة والمجتمع الجديد.. وكما مهّد القرن التاسع عشر للقرن العشرين بالأفكار الاشتراكية الجديدة.

السؤال للكاتب توفيق الحكيم عبر شخصية ضمّها كتابٌ له، “ثورة الشباب”، والإجابة جاءت على لسان شخصية ثانية، ليُتبع “الحكيم” سؤاله بآخر: إذن أنتم تريدون أن تهدموا في المجتمع صور الماضي؟ ليجيب من سُئل بأن الرغبة في التغيير لا تعدو أن يُمسي المجتمع جديرًا بعصره، وأن يتمتع بتفكير طليق حُر.

رغم عنوان “ثورة الشباب” لم يقصُر “الحكيم” فعل الثورة على الشباب، أو بالأحرى لم يقصُر الشباب على فئة عمرية، ليُدخل فيها “كل من استطاع أن يتحرر بعقله وفكره من جاذبية الأرض المعنوية للعادات الموروثة والأفكار المغروسة”.. ربط “الحكيم” الثورة بالتفكير الحُر، والشبابَ بتحرُّر العقل من أسْر الواقع وقيد الموروث.

جاء هذا النسج، قريب الشبه مما نسجه هربرت ماركوزه قبل أديبنا الكبير، من علاقة بين المهمشين والطلاب والنساء والأقليات الملونة وبين الثورة، رافضا الطرح الماركسي من أن التغيير معقود بناصية طبقة عمالية جرى الالتفاف على حقوقها واستيعابها في النظام الرأسمالي لتصبح منزوعة الفاعلية.

في تصور ماركوزه، ليست هناك طبقات أو أحزاب ثورية، إنما هو الوعي إلى جوار الفن بوصفه “آلية مهمة تتيح الانتقال نحو مجتمع ما وراء الأزمة”، وأداة يمكن استعمالها لتؤدي أدوارا إيجابية في التحرر، وكما قرَن فيلسوف مدرسة فرانكفورت الثورة بالشباب أو الطلاب والنساء والأقليات والمهمشين عامة، وصلها بالإبداع والوعي، فكأنما كلمة الشباب لديه لا تحيلنا إلى فئة عمرية أو اجتماعية، وإنما إلى المهمشين الذين يمتلكون الوعي للتغيير والإبداع اللازم للتحرر.

وللمفارقة، فماركوزه، الذي بلغ السبعين عند تفجر ثورة مايو 68 بفرنسا، انطبقت عليه تلك الصورة التي رسمها للمنوط بهم الثورة، فرغم بلوغه هذه السنّ، فإنه كان مفكرا هامشيا، ثم فجأة، ومع الثورة، أصبح أيقونة عندما حمل الطلبة شعارا نُقش عليها ثلاثة أسماء تبدأ بحرف M، ماركس وماو وماركوزه.

اكتسبت أفكار الفيلسوف الألماني الفاعلية من الحراك، ونالت الحيوية من المنتفضين.. طوّر ماركوزه بعدها تصوراته عن الثورة فجذبها أكثر نحو الفن، حيث رأى فيه قوة الرفض القادرة على تحرير الإنسان من سلطة العقلانية التقنية والعبور به من مأزق الاستلاب وإخراجه من دائرة الاستهلاك المفرغة، التي يدور المجتمع الصناعي في فلكها دون أمل في الانفكاك.    

وضع ماركوزه هذا التصور إثر يأسه من قدرة الطبقة العمالية وقوى اليسار على الثورة، بعدما جرى احتواء تلك القوى داخل النظام الرأسمالي ليتكلّس خطابُها، خطابٌ ما زال حاضرا وصادما بتخشُّبه، خاصة في مجتمعاتنا، وهي حالة استشعرتُها مؤخرا مثلما استشعرها البعض عند طرح قضية التطبيع، فبينما قدّم المؤيديون للخطوة تبريرات اتصلت بحسابات المصالح ومتغيرات الواقع، واجههم الرافضون من قوى اليسار بالشعارات وعارضوهم بالبلاغة وقذفوهم بالعبارات المتشنجة، في لغة شائخة لم تتغير أبجديتها منذ ستينيات القرن الماضي، مع أن كثيرا ممن تحدثوا بها شباب.

تستدعي هذه الصورة رؤية بيير بورديو، التي تقول إن “الشباب مجرد كلمة”، فالفواصل بين الفئات العمرية اعتباطية، أو بعبارة أخرى ليس السنُّ مُعطى بيولوجيا بقدر ما هو نتاج اجتماعي “فنحن لا نعرف متى ينتهي الشباب وتبدأ الشيخوخة مثلما لا نعرف متى ينتهي الفقر ويبدأ الثراء”، وما يُثبته بورديو، عبر اقتباسه تلك العبارة من عالم الاجتماع والاقتصادي ويلفريدو باريتو، هو أن العمر مثله مثل الغنى، نتاجٌ مجتمعي، ومثلما يمكن أن يكون هناك شباب في سن الشيخوخة، هناك شيوخ في عمر الشباب، كذلك فـ”نحن دوما شباب وكهول بالمقارنة مع طرف ثانٍ”، وإذا كانت حيرتك حول المفهوم لم تكتمل فلتعلم أنه كما لكل مجتمع مفهومه عن الشباب فهو يتعدد أيضا داخل المجتمع الواحد بما يعتمل في طبقاته وتقسيماته من عوامل.

الخلاصة أن مفهوم الشباب لا يقف عند فئة عمرية، إنما يمتد معناه ليضم الوعي اللازم للثورة والتجاوز الضروري للإبداع والانعتاق من ظروف الكبت المحرّض على التحرر، وهو ما اقترب منه شباب يناير على اختلاف فئاتهم العمرية، فامتلكوا في مجموعهم وعيا بواقعهم فارَقَ وعي المؤدلجين والسياسيين الذين طالما نفوا الواقع ليدركوه.

أبدع الشباب صورة لانتفاضتهم لم يسبقهم إليها أحد، وأبدوا مقدرة على استيعاب الخلافات الأيديولوجية والحساسيات الطائفية فبينما امتدت وشائج “التواصل الاجتماعي” لتحكم علاقاتهم تسلطت على غيرهم حسابات المصالح الحزبية وغوايات المغانم السياسية.

كانوا هامشًا لمركز، والهامش بطبيعته فضاءُ صيرورة، أي فضاء حركة وتحوُّل، في حين أن المركز أو الأغلبية ـ بتعبير جيل دولوز ـ لا تصير، لأنها لا تطمح إلى تكوين نموذج، فهي النموذج، وما حدث أن جاذبية المركز تغلبت على حركة الهامش، ولم يعد أمام المهمشين اليوم غير الوعي سبيلا للتغيير والإبداع سلاحا للتحرر، وهما معا، “الوعي والإبداع”، إكسير للشباب.

Mohamed.altanawy1@gmail.com

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram